سيد محمد طنطاوي

260

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد حرمه الإسلام تحريا قاطعا . فقد قال الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في خطبة الوداع : « ألا إن ربا الجاهلية موضوع - أي مهدر - وأول ربا أبدأ به ربا عمى العباس بن عبد المطلب . » . وقال الإمام أحمد بن حنبل : إن ربا النسيئة يكفر من يجحد تحريمه . ويقابل هذا النوع من الربا ، ربا البيوع وهو الذي ورد في حديث النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي يقول فيه : « البر بالبر مثلا بمثل يدا بيد ، والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والشعير بالشعير مثلا بمصل يدا بيد ، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد ، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى » . وقد اتفق العلماء على أن بيع هذه الأصناف لا بد أن يكون بغير زيادة إذا كانت بمثلها كقمح بقمح ، ولا بد من قبضها . وإذا اختلف الجنس كقمح بشعير جازت الزيادة ، ولا بد من القبض في المجلس ، والتأخير يسمى ربا النساء ، والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل . وللفقهاء في هذا الموضوع مباحث طويلة فليرجع إليها من شاء في مظانها . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بأمر المؤمنين بخشيته وتقواه فقال : * ( واتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * . أي : واتقوا اللَّه بأن تجعلوا بينكم وبين محارمه ساترا ووقاية ، لعلكم بذلك تنالون الفلاح في الدنيا والآخرة . ثم حذرهم - سبحانه - من الأعمال التي تفضى بهم إلى النار فقال : * ( واتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ) * . أي : صونوا أنفسكم . واحترزوا من الوقوع في الأعمال السيئة كتعاطى الربا وما يشابه ذلك ، لأن الوقوع في هذه الأعمال السيئة يؤدى بكم إلى دخول النار التي هيئت للكافرين . وفي التعقيب على النهى عن تعاطى الربا بتقوى اللَّه وباتقاء النار ، إشعار بأن الذي يأكل الربا يكون بعيدا عن خشية اللَّه وعن مراقبته ، ويكون مستحقا لدخول النار التي أعدها اللَّه - تعالى - للكافرين والفاسقين عن أمره . قال صاحب الكشاف : « كان أبو حنيفة - إذا قرأ هذه الآية * ( واتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ) * يقول : هي أخوف آية في القرآن ، حيث أوعد اللَّه المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه » « 1 » . ثم بعد هذا التحذير الشديد للمؤمنين من ارتكاب ما نهى اللَّه عنه ، أمرهم - سبحانه - بطاعته وطاعة رسوله فقال : * ( وأَطِيعُوا اللَّه والرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 414 .